سيد محمد طنطاوي
371
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بسرعة وانقياد ، حال كونكم حامدين اللَّه - تعالى - على كمال قدرته ، وناسين ما كنتم تزعمون في الدنيا من أنه لا بعث ولا حساب . قال صاحب الكشاف : وقوله * ( بِحَمْدِه ) * حال منهم . أي : حامدين ، وهي مبالغة في انقيادهم للبعث ، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويتمنع ، ستركبه وأنت حامد شاكر ، يعنى : أنك تحمل عليه وتقسر قسرا . حتى أنك تلين لين المسمح - أي الذليل - الراغب فيه ، الحامد عليه . وعن سعيد بن جبير : ينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون : سبحانك اللهم وبحمدك « 1 » . وقوله : * ( فَتَسْتَجِيبُونَ ) * بمعنى تجيبون ، إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة ، فهي أوكد من الإجابة ، وأسرع في التلبية . وجملة « وتظنون إن لبثتم إلا قليلا » حالية ، أي : والحال أنك تظنون عند بعثكم أنكم ما لبثتم في الدنيا أو في قبوركم إلا زمنا قليلا . قال قتادة : إن الدنيا تحقرت في أعينهم وقلَّت ، حين رأوا يوم القيامة ، لهول ما يرون فقالوا هذه المقالة . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : . . كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ . قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ « 2 » . وقوله - تعالى - : ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ . قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ؟ هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ « 3 » . وقوله - تعالى - : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها « 4 » . ثم ترك القرآن الكريم أولئك الذين كفروا بالبعث والنشور في طغيانهم يعمهون ، ووجه خطابه إلى المؤمنين ، آمرا إياهم بأن يقولوا الكلمة الطيبة ، ومبينا لهم ولغيرهم ، أن مصائرهم بيد اللَّه - تعالى - وحده ، فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 672 . ( 2 ) سورة المؤمنون الآية 112 ، 113 . ( 3 ) سورة يس الآيات 51 ، 52 . ( 4 ) سورة النازعات الآية 46 .